ابراهيم بن عمر البقاعي

603

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولكن قاصد التجارة هو الأكثر ، أنث الضمير فقال معلما بالاهتمام بها لأن اللهو مسبب عنها : إِلَيْها وللدلالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ما فيها من النفع والإنسان لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله ولا سيما والحاجة إذ ذاك شديدة ، كان الذم لقصد اللهو من باب الأولى . ولما كان ذلك حال الخطبة التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها في صرف النفس عن الدنيا والإقبال على الآخرة قال : وَتَرَكُوكَ أي تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلا ، قال جابر رضي اللّه عنه : أنا أحدهم ، ودل على مشروعية القيام بقوله : قائِماً فالواجب خطبتان : قائما يفصل بينهما بجلوس ، والواجب فيهما أن يحمد اللّه تعالى ويصلي على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويوصي بتقوى اللّه تعالى ، هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معا ، ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين ، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح الخطبة عند الشافعي رضي اللّه عنه ، ولجواز الجمعة خمس شرائط : الوقت وهو وقت الظهر ، والعدد وهو الأربعون ، والإمام والخطبة ودار الإقامة ، فإن فقد شرط وجبت الظهر ، ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد تمام ، وبقاء هذا العدد شرط إلى آخر الصلاة ، فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم يفته شيء من الأركان صحت . ولما كان هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بوعظهم إلهابا لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم للخطاب ولو بالعتاب قال : قُلْ أي لهم ترغيبا في الرجوع إلى ما كانوا عليه من طلب الخير من معدنه : ما عِنْدَ اللَّهِ أي المحيط بجميع صفات الكمال من الأعراض العاجلة في الدنيا من واردات القلوب وبوادر الحقيقة ، الحاصل من سماع الخطبة الآمر بكل خير ، الناهي عن كل شر ، المفيد لتزكية الباطن وتقويم الظاهر والبركة في جميع الأحوال والآجلة في الآخرة مما لا يدخل تحت الوصف خَيْرٌ ولما قدم التجارة أولا اهتماما بها ، قدم هنا ما كانت سببا له ليصير كل منهما مقصودا بالنهي فقال : مِنَ اللَّهْوِ ولما بدأ به لإقبال الأغلب في حال الرفاهية عليه قال معيدا الجار للتأكيد : وَمِنَ التِّجارَةِ أي وإن عظمت . ولما كان من عنده الشيء قد لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من يحبه قال : وَاللَّهُ أي ذو الجلال والإكرام وحده خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لأنه يرزق متاع الدنيا لسفوله ولكونه زادا إلى الآخرة البر والفاجر والمطيع والعاصي ، ويعطي من يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد ، وأما المعارف الإلهية والأعمال الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة المتابعة فلا يؤتيها إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس